
ما علّمني إياه عقدان من التجارة بين الخليج وليبيا
من متجر صغير لقطع غيار السيارات في بنغازي إلى تأسيس شركة تجارية في الإمارات عام 2008: ما علّمته سنوات نقل البضائع بين الخليج وليبيا عن الثقة واللوجستيات والثبات.
ما يستطيع البلد أن يصنعه بيده جزءٌ من قدرته على حماية نفسه.

حين تُذكر عبارة «الأمن الوطني» يذهب الذهن عادةً إلى الحدود والجيوش والسياسة الخارجية. أما أنا فيذهب ذهني إلى مقاولٍ في بنغازي ينتظر شحنة إسمنت عالقة في عرض البحر، وإلى أسرة تراقب سعر الحليب كل أسبوع، وإلى مهندس شاب أمضى سنوات في الدراسة ثم لم يجد مصنعًا يعمل فيه.
قناعتي بسيطة، وتزداد رسوخًا كلما طالت تجربتي: البلد الذي لا ينتج مواده الأساسية وغذاءه يبقى مكشوفًا مهما امتلأت خزائنه. الحديد والأسمنت والغذاء ليست صناعات لامعة، لكنها الأرض الصلبة التي يقوم عليها كل شيء آخر.
لم أبدأ صناعيًا. بدأت في التجارة: محلٌّ صغير لقطع غيار السيارات في بنغازي، ثم التوزيع والخدمات اللوجستية والتوريد بين شمال أفريقيا والخليج. أعطتني التجارة الكثير وما زلت أقدّرها، لكنها أرتني عن قرب كم هي هشّة سلاسل الإمداد.
من يستورد كل شيء تقريبًا يستورد معه مشكلات الآخرين. يُغلق ميناء، أو تتقلب عملة، أو ترتفع أجور الشحن، أو يجد المورّد سوقًا أربح، فيتوقف مشروع في الداخل فجأة. التاجر قد يجد طريقًا بديلًا، أما الدولة كلها فلا تستطيع ذلك دائمًا، لا بسرعة ولا بكلفة معقولة.
رأيت ذلك بعيني في بنغازي خلال نزاع مطلع العقد الثاني من هذا القرن، حين تضرّرت مستودعاتنا وتعطّلت أعمالنا. أعدنا البناء وواصلنا العمل، لكنها كانت تذكرة واضحة بمدى سرعة انقطاع سلاسل الإمداد.
أمام ليبيا الكثير لتبنيه، والكثير لتعيد بناءه. المساكن والمدارس والمستشفيات والطرق والموانئ تحتاج جميعها إلى كميات كبيرة من الحديد والأسمنت. وإذا ظلّت هذه المواد تأتي من الخارج، فإن وتيرة الإعمار تحددها مصانع غيرنا وأسعار غيرنا وأولويات غيرنا.
لهذا اخترت أن أضع جهدًا حقيقيًا في الصناعات الثقيلة. أتولى رئاسة مجلس إدارة الشركة الليبية المتحدة للحديد والصلب (Libya United Steel Company, SULB)، ورئاسة شراكة توسيالي–SULB (Tosyali-SULB)، وهي مجمّع لإنتاج الحديد المختزل مباشرةً في بنغازي تصفه المجموعة بأنه من أكبر مشروعات الاختزال المباشر في العالم، كما أترأس مجلس إدارة شركة الأسمنت الليبية (Libyan Cement Company, LCC). لا أنظر إلى هذه الشركات بوصفها استثمارات فحسب، بل طاقة إنتاجية باقية في البلد. خط إنتاج إسمنت يعود إلى العمل، أو مصنع حديد جديد، لا يرحل حين تتقلب الأسواق؛ يبقى، وتبقى معه خبرات الناس الذين يديرونه.
وإحياء الطاقة المعطّلة لا يقل أهمية عن بناء طاقة جديدة. المصنع المتوقف خسارة صامتة: تتقادم معداته، ويغادره أصحاب الخبرة، وتغادر معهم المعرفة. إعادته إلى العمل جهد بطيء يحتاج إلى صبر، وأراه من أنفع ما يمكن أن يقدمه مستثمر.
الحديد والأسمنت يبنيان البلد، والغذاء يحفظ طمأنينته. كل أسرة تشعر يوميًا بسعر الغذاء وتوافره. والبلد الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الغذاء المستورد تبقى موائده مرتبطة بأحداث لا يملك منها شيئًا.
لا أدعو إلى أن يصنع أي بلد كل شيء بنفسه؛ فذلك ليس واقعيًا ولا حكيمًا. لكن إنتاج حصة معتبرة من الغذاء اليومي وتصنيعها محليًا، وفق معايير حديثة في السلامة والتعبئة، يمنح الأسر استقرارًا، ويمنح المزارعين والعاملين سببًا للبقاء والاستثمار في مجتمعاتهم. هذا هو المنطق الذي دفعنا إلى دخول قطاع الصناعات الغذائية.
حين أتحدث عن الصناعة المحلية فأنا أتحدث في الحقيقة عن فرص العمل. المصنع مدرسة بقدر ما هو مكان عمل؛ فيه يتعلم الشباب الليبي تشغيل الآلات وصيانتها، وضبط الجودة والسلامة، وتخطيط الإنتاج وقيادة الفرق. وهذه المهارات لا تنتهي بانتهاء الوردية، بل تصنع طبقة مهنية يحتاجها البلد.
والأمر يتعلق أيضًا بالطريقة التي يعيش بها الناس. توفير السكن للعاملين قرب المواقع الصناعية ليس إحسانًا، بل جزء من بناء منشأة يلتزم بها الناس سنوات طويلة وأسرهم قريبة منهم. وقد وجدت أن الناس يعطون أفضل ما لديهم حين يشعرون أن الشركة تستثمر فيهم، لا في الإنتاج وحده.
لست ضد التجارة ولا ضد الشركاء الأجانب، بل العكس. أنجح المشروعات الصناعية التي أعرفها تجمع بين ملكية محلية وأيدٍ عاملة محلية من جهة، وتقنية وخبرة دولية من جهة أخرى. الشراكة مع شركات أجنبية راسخة تختصر سنوات من التعلّم. الهدف ليس الانغلاق، بل المناعة: طاقة محلية كافية تجعل البلد يختار شركاءه بدل أن يكون رهينة لهم.
ويعني ذلك للحكومات قواعد مستقرة، وطاقة وبنية تحتية يُعتمد عليها، وصبرًا على مشروعات لا تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات. ويعني للمستثمرين أن الصناعة الثقيلة التزام طويل لا صفقة سريعة. ويعني للشباب أن ينظروا إلى المهن الفنية والصناعية بوصفها مصدر فخر.
بقيت أعمل في بنغازي خلال السنوات الصعبة في العقد الثاني من هذا القرن، وخرجت منها أكثر اقتناعًا بأن قوة البلد تُقاس، في جانب منها، بما يستطيع أن يصنعه بنفسه.
هذا المقال عن الفكرة لا عن تقارير الإنجاز. للاطلاع على المستجدات المؤرخة لمشروعات الحديد والأسمنت والغذاء، يُرجى زيارة صفحة الأخبار على موقع ahmedgadalla.com، حيث تُنشر أخبار المشروعات.
— أحمد جاد الله
تابع القراءة

من متجر صغير لقطع غيار السيارات في بنغازي إلى تأسيس شركة تجارية في الإمارات عام 2008: ما علّمته سنوات نقل البضائع بين الخليج وليبيا عن الثقة واللوجستيات والثبات.

دبلوم في الاستراتيجية بين 2021 و2022، وعضوية معهد الإدارة المعتمد، وماجستير في إدارة الأعمال عام 2025، ثم دراسات بمستوى الدكتوراه: لماذا يبقى التعلّم المنهجي مهماً بعد سنوات في عالم الأعمال.

تواصل مع المكتب
يمكن للصحفيين ومنظّمي الفعاليات والشركاء المحتملين التواصل مع مكتب أحمد جاد الله عبر صفحة التواصل.