
ما علّمني إياه عقدان من التجارة بين الخليج وليبيا
من متجر صغير لقطع غيار السيارات في بنغازي إلى تأسيس شركة تجارية في الإمارات عام 2008: ما علّمته سنوات نقل البضائع بين الخليج وليبيا عن الثقة واللوجستيات والثبات.
عن العودة إلى الدراسة النظامية في منتصف الطريق، وما غيّرته في طريقة قيادتي.

في مطلع الأربعينيات من عمري، وعلى عاتقي مجموعة من الشركات، عدت إلى مقاعد الدراسة. سألني كثيرون عن السبب، وتساءل بعضهم من أين سأجد الوقت. والحقيقة أنني لم يكن لديّ وقت فائض، وكان هذا جزءًا من الدافع.
أريد أن أشرح هذا القرار بصراحة، لأنني أظن أن كثيرين ممن يعملون في التجارة والصناعة يصلون إلى اللحظة نفسها، ثم يقنعون أنفسهم بالعدول عنها.
درجتي الأولى بكالوريوس في الهندسة الصناعية من جامعة قاريونس، جامعة بنغازي اليوم. منحتني الهندسة طريقة في التفكير ما زلت أستعملها كل يوم: أن أفكك المشكلة إلى أجزائها، وأن أقيس ما يمكن قياسه، وأن أحترم حدود المواد والآلات.
وفي 2007–2008 أمضيت فترة في جامعة إنديانا الجنوبية الشرقية (Indiana University Southeast) بالولايات المتحدة أدرس برامج تحضيرية لاختباري TOEFL وGRE، وكنت أظن يومها أن الدراسات العليا ستأتي سريعًا. لكن العمل سبقني إليها: التجارة بين شمال أفريقيا والخليج، ثم تأسيس شركة Al Mored Oasis General Trading LLC في الإمارات في ديسمبر 2008، ثم بناء مجموعة العشيبي القابضة (Alushibe Holding Group). ملأت هذه المرحلة السنوات التالية بالكامل.
ظللت زمنًا أقول لنفسي إن التجربة هي مدرستي، وفي ذلك شيء من الصواب. فإدارة الشركات في بنغازي خلال السنوات الصعبة علّمتني ما لا تعلّمه قاعة درس. غير أن للتجربة نقطة ضعف: إنها تعلّمك ما مرّ بك، ولا تهيّئك بالقدر نفسه لما لم تره بعد.
ومع انتقال المجموعة من التجارة إلى الصناعات الثقيلة والصناعات الغذائية، كبرت الأسئلة: كيف تُبنى شراكة مع شركة صناعية أجنبية؟ كيف نفكر في الاستراتيجية على مدى عشر سنوات أو خمس عشرة سنة لا على مدى الشحنة القادمة؟ كيف نصنع المديرين بدل أن نكتفي بتوظيفهم؟ أدركت أنني أجيب عن هذه الأسئلة بالحدس في الغالب. والحدس ثمين، لكنني أردت تحته أساسًا أمتن.
في 2021–2022 أتممت الدبلوم الممتد في الأعمال الدولية (تخصص الاستراتيجية) بالمستوى الحادي عشر من الإطار الاسكتلندي للمؤهلات (SCQF) لدى الهيئة الاسكتلندية للمؤهلات (Scottish Qualifications Authority, SQA)، وكنت في نحو الحادية والأربعين. كانت العودة إلى كتابة الأبحاث المنظمة بمراجعها ومواعيد تسليمها درسًا في التواضع أول الأمر، لكنها كانت منعشة أيضًا؛ فقد صار عليّ أن أدافع عن أفكاري كتابةً، لا في اجتماع قد يتردد فيه الحاضرون في مخالفة رئيس مجلس الإدارة.
وفي 2022 انضممت إلى معهد الإدارة المعتمد (Chartered Management Institute, CMI) عضوًا، وشاركت في برنامج «المدير المعتمد». وقد جاء تركيز المعهد على الممارسة اليومية للإدارة، أي كيف تقود الناس وتتخذ القرار، مكمّلًا لما درسته في الاستراتيجية.
وفي 2025 نلت درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من جامعة الأعمال الدولية في تورونتو، وأتابع اليوم دراسات على مستوى الدكتوراه في القيادة والإدارة في مجال الأعمال.
لم يكن أهم ما تغيّر نموذجًا بعينه أو إطارًا نظريًا، بل عادة صغيرة: أن أسأل قبل القرار «ما الدليل على هذا؟»، وأن أسأل بعده «ماذا تعلّمنا؟». وفي مجموعة تضم شركات عدة، تجعل هذه العادة الاجتماعات أقصر والقرارات أوضح.
وجعلتني الدراسة أيضًا مستمعًا أفضل. فالجلوس في قاعة لا تُحتسب فيها سنوات خبرتي في سلّم الدرجات ذكّرني بشعور أن تكون أحدث الوافدين إلى المكان. أحاول أن أستحضر هذا الشعور كلما التقيت مهندسين شبابًا وخريجين جددًا ينضمون إلى شركاتنا.
وغيّرت كذلك نظرتي إلى التدريب. فإذا كنت أؤمن بأن التعلّم المستمر ضروري لرئيس مجلس إدارة، فهو أشد ضرورة للفني والمشرف والمدير الشاب في أول طريقه. لقد صار تأهيل الشباب الليبي وتدريبهم من أكثر ما يشغلني، وعودتي إلى الدراسة جزء من أسباب ذلك.
يظن بعض الناس أن الدكتوراه لقب يُضاف إلى الاسم. أما عندي فهي انضباط. فالبحث على هذا المستوى يُلزمك بأن تأخذ سؤالًا واحدًا بجدية لمدة طويلة، وأن تقرأ ما توصّل إليه غيرك، وأن تقبل النتيجة حين لا يسند الدليل ما كنت تتمناه. وهذه عادات نافعة لكل من يتحمل مسؤولية مشروعات صناعية طويلة الأمد، حيث الخطأ مكلف وإصلاحه بطيء.
إن كنت في الأربعين أو بعدها وتسأل نفسك هل فات الأوان، فجوابي: لا. ستتعب، وستقرأ في الطائرات وفي آخر الليل، وقد تشعر في البداية بأنك في غير مكانك. لكنك تحمل ما لا يحمله الطلاب الأصغر سنًا: مشكلات حقيقية تختبر بها النظرية، وهذا ما يجعل التعلّم يرسخ.
ونصيحتي عملية: اختر برنامجًا يتصل بعمل تمارسه فعلًا، وأخبر فريقك حتى يفهموا حاجتك إلى وقت محفوظ للدراسة، وابدأ بخطوة واحدة لا بالسلّم كله. لم أكن أخطط للدكتوراه حين سجّلت في الدبلوم، لكن كل مرحلة فتحت الباب للتي بعدها.
كثيرًا ما أعود إلى شعار بسيط: «ابقَ، تكيّف، وواصل البناء» (Stay, adapt and keep building). يصدق هذا على الشركات والأوطان، ووجدت أنه يصدق على الأفراد أيضًا، حتى على من ظنّ منا أن أيام الدراسة صارت وراءه.
— أحمد جاد الله
تابع القراءة

من متجر صغير لقطع غيار السيارات في بنغازي إلى تأسيس شركة تجارية في الإمارات عام 2008: ما علّمته سنوات نقل البضائع بين الخليج وليبيا عن الثقة واللوجستيات والثبات.

لماذا يكون البلد الذي يصنع حديده وإسمنته وغذاءه أقدر على الصمود، ولماذا يتعلّق بناء المصانع في ليبيا بفرص العمل والمهارات بقدر ما يتعلّق بالإنتاج.

تواصل مع المكتب
يمكن للصحفيين ومنظّمي الفعاليات والشركاء المحتملين التواصل مع مكتب أحمد جاد الله عبر صفحة التواصل.