تخطَّ إلى المحتوى

عن الثقة والصبر واللوجستيات، وعن طريقٍ بدأ بمتجر صغير لقطع الغيار في بنغازي.

الجزء الداخلي من قاعة صناعية كبيرة قيد الإنشاء

لم يكن في متجر قطع غيار السيارات الصغير الذي بدأتُ منه في بنغازي ما يوحي بأنه سيقودني يوماً إلى موانئ الخليج وأسواقه. لكنه علّمني الدرس الأول الذي لم يفارقني منذ ذلك الحين: الزبون لا يشتري القطعة وحدها، بل يشتري يقينه بأنها ستصل في موعدها وستؤدي عملها كما ينبغي. وكل ما جاء بعد ذلك لم يكن سوى توسيعٍ لهذا الدرس على مسافات أبعد وبكميات أكبر.

في السنوات الأولى من مسيرتي انصرفتُ إلى بناء صلات تجارية بين شمال أفريقيا والخليج: المشتريات، والشحن، وسلاسل الإمداد. وفي الحادي والعشرين من ديسمبر 2008 أسّستُ في دولة الإمارات شركة Al Mored Oasis General Trading LLC، وفي العام نفسه وُلدت مجموعة العشيبي القابضة (Alushibe Holding Group). ما أكتبه هنا ليس سيرة ذاتية، بل محاولة لتدوين ما تعلّمته من هذه السنوات، لعلّه ينفع من يقف اليوم حيث وقفتُ في البداية.

الثقة هي رأس المال الحقيقي

في التجارة العابرة للحدود لا تكفي العقود وحدها. العقد يحميك حين تسوء الأمور، لكن الثقة هي التي تمنعها من أن تسوء أصلاً. المورّد في الخليج يتعامل معك بناءً على سجلّك: هل سدّدتَ في الموعد؟ هل التزمتَ بما وعدت حين تغيّرت الظروف؟ وهل أخبرته بالحقيقة حين تأخّر شيء من جهتك؟

تعلّمتُ أن السمعة تُبنى ببطء شديد وتُهدم في يوم واحد، وأن أثمن ما يملكه التاجر الليبي في أسواق الخليج هو كلمته.

الإمارات بوابة لا محطة

اخترتُ أن تكون الإمارات قاعدةً لأعمالي التجارية في الخليج لأسباب عملية قبل أي شيء آخر. فهي مركز تجاري ولوجستي تلتقي فيه خطوط الشحن القادمة من آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتتيح موانئها ومناطقها الحرة إعادة التصدير بإجراءات واضحة يمكن التخطيط على أساسها. ومن يتاجر مع سوق مثل ليبيا يحتاج قبل كل شيء إلى طرف ثابت في السلسلة، يمكنه أن يجمع البضائع ويفحصها ويوثّقها قبل أن تبدأ رحلتها.

لكنني تعلّمتُ أيضاً ألّا أنظر إلى الإمارات بوصفها محطة عبور فحسب. فهي مدرسة في طريقة إدارة الأعمال: الانضباط في المواعيد، ووضوح الأوراق، واحترام الطرف الآخر. وكثير مما حملته لاحقاً إلى مشاريعنا في ليبيا تعلّمته من هذه البيئة.

اللوجستيات هي المنتج

يظنّ كثيرون أن التاجر يبيع سلعة. والحقيقة أن من يعمل بين الخليج وليبيا يبيع في المقام الأول قدرته على إيصال تلك السلعة. فالحاوية المتأخرة قد تكلّف أكثر من قيمة ما فيها، والمستند الناقص قد يُبقي شحنة كاملة عالقة في الميناء. لذلك تعلّمتُ أن أخطّط دائماً لطريق بديل، وأن أبني علاقات مع أكثر من ناقل وأكثر من مورّد، وأن أعدّ الأوراق بعناية تفوق ما يبدو ضرورياً.

هذه ليست تفاصيل إدارية، بل هي جوهر المهنة. ومن يتقنها يستطيع أن يعمل في ظروف يعجز فيها غيره. وقد ساعدتني دراستي للهندسة الصناعية في جامعة قاريونس على النظر إلى التجارة بهذه الطريقة؛ فالهندسة الصناعية في جوهرها علمُ تدفّق المواد والوقت والقرار، وسلسلة الإمداد بين ميناء خليجي ومستودع في بنغازي ليست في النهاية إلا خط إنتاج طويلاً يمتد عبر البحر.

الصمود حين تشتدّ الظروف

مرّت بنغازي في العقد الثاني من هذا القرن بسنوات صعبة، وواصلنا العمل خلالها. لم يكن ذلك بطولة، بل كان مسؤولية تجاه من يعتمدون علينا في رزقهم وتجاه سوق لا تتوقف حاجته إلى السلع. وفي تلك السنوات تحديداً ظهرت قيمة الصلات التي بنيناها في الخليج؛ فحين تضيق الطرق في الداخل يصبح الشريك الموثوق في الخارج شريان حياة.

من هنا جاءت العبارة التي أردّدها كثيراً: «ابقَ، تكيّف، وواصل البناء» (Stay, adapt and keep building). البقاء وحده لا يكفي، والتكيّف دون بناء يتحوّل إلى انتظار.

من التجارة إلى الصناعة

كلما طال عملي في الاستيراد ازددتُ يقيناً بأن ليبيا تستورد أشياء كثيرة كان يمكن أن تصنعها بنفسها. التجارة تكشف لك بدقة ما يحتاجه السوق وأين تقع الفجوات، وهذه المعرفة هي التي دفعتنا تدريجياً من التوزيع والخدمات اللوجستية إلى الاستثمار في الصناعة: الحديد والأسمنت والغذاء.

لا أرى في ذلك قطيعة مع التجارة، بل امتداداً طبيعياً لها. فالتاجر الذي يعرف سلاسل الإمداد يعرف أيضاً ما الذي يجعل المصنع ناجحاً أو متعثراً. ولمن يريد متابعة هذه المشاريع، فإن آخر مستجداتها تُنشر على صفحة الأخبار في ahmedgadalla.com، وقد كتبتُ عن هذا الجانب في مقال الصناعة المحلية أمن وطني.

ما أقوله لمن يبدأ اليوم

إذا سألني شاب ليبي يريد أن يعمل بين الخليج وبلده، فسأختصر له ما تعلّمته في ثلاث نقاط:

  • ابدأ صغيراً وأتقن ما تبدأ به. متجر واحد تديره جيداً يعلّمك أكثر من مشروع كبير لا تفهمه.
  • احمِ كلمتك أكثر مما تحمي أرباحك. الربح يعود، أما الثقة فقلّما تعود كاملة.
  • لا تتوقف عن التعلّم. الأسواق تتغيّر أسرع مما نتوقع، ومن يكتفي بما يعرفه يتجاوزه الزمن.

بعد كل هذه السنوات ما زلتُ أتعلّم، وما زالت الطريق بين الخليج وليبيا تحمل لي دروساً جديدة. وأظن أن هذا بالضبط ما يجعلها تستحق العناء.

العودة إلى صفحة الآراء

تابع القراءة

مزيد من الآراء

جميع المقالات

مبنى مكاتب مكتمل حديثاً

لماذا عدت إلى الدراسة بعد الأربعين؟

دبلوم في الاستراتيجية بين 2021 و2022، وعضوية معهد الإدارة المعتمد، وماجستير في إدارة الأعمال عام 2025، ثم دراسات بمستوى الدكتوراه: لماذا يبقى التعلّم المنهجي مهماً بعد سنوات في عالم الأعمال.

تواصل مع المكتب

استفسارات الإعلام والمشاركات والشراكات

يمكن للصحفيين ومنظّمي الفعاليات والشركاء المحتملين التواصل مع مكتب أحمد جاد الله عبر صفحة التواصل.